الشيخ محمد رشيد رضا

164

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السين على الفعل في مقام الوعد في الآية الآتية « سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ » والصواب ان السين وسوف على معناهما المشهور في إفادة التنفيس والتأخير واشتق لفظ التسويف بمعني التأخير من سوف ، ولكن بعضهم استشكل التسويف هنا ولو نظروا في مثل هذا الوعيد لرأوا أن حصوله يكون متأخرا جدا عن وقت نزول الآية به ، على أن للتراخي والبعد معني آخر بحسب اعتبار المقام في الخطاب فإذا نظر إلى حال المغرورين بما هم فيه من قوة وعزة ، الذين صرفهم غرورهم وطغيانهم بعزتهم عن النظر فيما جاء به النبي ( ص ) من البينات والهدى فصدوا عنه استغناء بما هم فيه يراهم بهذا الغرور بعداء جدا عن تصور الوعيد والتفكير فيه فيكون هذا التسويف مرعيا فيه حالهم ليتفكروا في مستقبل أمرهم أقول وقد تركت هنا في مذكرتي التي كتبتها في درسه بياضا بقدر ثلاثة أسطر بعد قوله تصور الوعيد والتفكر فيه ولا أذكر ما ذا كنت أريد ان اكتب فيها ولا يظهر لي الآن وجه استشكال التأخير ، والوعيد انما هو بعذاب الآخرة والعرب تستعمل التسويف فيما هو أقرب منه . وقد ابتدأ الآية بذكر الذين كفروا ليعلم ان هذا الوعيد ليس خاصا بأولئك الكفار من اليهود ، والمراد بآيات اللّه هنا ما يدل على حقية دينه مطلقا ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا لأنه أدل الدلائل واظهر الآيات وأوضحها ، ونصليهم نارا معناه نجعلهم يصلونها أي يدخلونها ويعذبون بها ( راجع بحث الصلي والاصلاء في ص 394 ج 4 ) كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها قال الأستاذ الامام نضج الجلود هو نحو نضج الثمار والطعام وهو عبارة عن فقد التماسك الحيوي والبعد عن الحياة وانما تتبدل لان النضج يذهب القوة الحيوية التي بها الاحساس فإذا بقيت ناضجة يقل الاحساس بما يمسها أو يزول لذلك تتبدل بها جلود حية غيرها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ لان الذوق والاحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد ، ومن هنا قال بعض المفسرين ان المراد بتبديل الجلود دوام لعذاب فالكلام تمثيل أو كناية عن دوام الاحساس بالعذاب فإنه أراد أن يزيل وهما ربما يعرض للناس بالقياس على